حسن الأمين

49

مستدركات أعيان الشيعة

أما « لطف علي خان زند » فاستاء من جواب « تقي خان » وعزم على مهاجمته ، وكل عسكره عدتهم سبعون وثلاثمائة فارس . وخرج إليه « تقي خان » بجيش من ثلاثة آلاف ، وقيل أربعة آلاف جندي فارس وراجل . ووقعت حرب شديدة اضطر فيها « لطف علي خان زند » إلى التراجع تفاديا للانحصار . ولكن « تقي خان » كان قادرا على محاصرته على نحو آخر في مجال أوسع . إلا أن « لطف علي خان زند » استطاع الافلات ببراعة وخفة وانسل تحت جنح الظلام وخصمه لا يشعر به . وفي الصباح لم يجد له أثرا وهو يحسب أنه أصبح في قبضة يده ! ( 1 ) وبعث « تقي خان » برسالة إلى « الحاج إبراهيم خان كلانتر » ورسالة إلى « آقا محمد خان » يعلمهما بانهزام « لطف علي خان » زند « فأنعم » آقا محمد خان « عليه بلقب » معتمد الديوان « . معركة خرمن كوه وانطلق « لطف علي خان زند » إلى نواحي أخرى يستنجد أصدقاء ومعارف له من أمرائها . واستطاع أن يحصل منهم على معونة مالية وعسكرية . وبلغت أخبار ذلك إلى « الحاج إبراهيم خان كلانتر » و « تقي خان » اليزدي و « آقا محمد خان قاجار » . وكان هذا قد ضاق به ذرعا وعزم على القيام بعمل حاسم . فجهز جيشا من سبعة آلاف جندي بين فارس وراجل ، وجعل على قيادته « محمد حسين قوانلو » ، وأمره بتعقب « لطف علي خان زند » أينما كان والقبض عليه وإرساله إليه حيا أو ميتا . فسار « محمد حسين قوانلو » بجيشه إلى شيراز . ومنها سار إلى « أبرقو » في شمال إقليم فارس حيث كان « لطف علي خان زند » مشغولا بتجهيز جيشه للحملة على شيراز . واتبع « آقا محمد خان » جيشه هذا بنجدة أخرى من ثلاثة آلاف جندي بين فارس وراجل . ( 2 ) ولما علم « لطف علي خان زند » بمسير ذلك الجيش إليه رأى أن موقعه في « أبرقو » لا يصلح للمقاومة ، فانطلق منها إلى ناحية « نيريز » . وفي هذه الناحية جبل يعرف باسم « خرمن كوه » وفيه واد يجري فيه نهر . وجانباه مرتقعات عمودية صعبة المرتقى . وطرفاه ضيقان إذا حرسا بقوة مسلحة تعذر الدخول إليه . وقد اختار « لطف علي خان زند » هذا الوادي حصنا يمتنع فيه في محاربته للجيش القاجاري ، فاحتله ورابط فيه . ولكن « محمد حسين خان قوانلو » قائد جيش « آقا محمد خان » دبر خطة بارعة ونفذها بحزم وجرأة ، مستعينا ببعض السكان المحليين الخبيرين بتسلق الجبال ، واستطاع إشغال الجيش الزندي بمناوشات تمثيلية عما يقوم به في الخفاء وظلام الليل من تجهيزات شاقة تمكنه من ارتقاء المرتفعات ثم الهبوط إلى الوادي واحتلاله ، وتفرق جند « لطف علي خان زند » بعد أن أوقع به مقتلة عظيمة . ولكن الأمير الزندي استطاع ، كعادته أن يفلت من أيديهم بتلك الشجاعة النادرة المأثورة عنه . وتعد خطة « محمد حسين خان قوانلو » هذه من أعظم الأعمال العسكرية . وأرسل « محمد حسين خان قوانلو » خبرا بهذا النصر إلى « آقا محمد خان » ، فأنعم عليه بهدية هي إبريق من الذهب وزنه مقدار كيلو غرامين وأربعمائة غرام . وظل هذا الإبريق يتوارثه أبناؤه من بعده إلى زمن « ناصر الدين شاه » فاهدوه إليه أو باعوه إياه . وقيل إن مدة حرب « خرمن كوه » هذه كانت خمسة عشر يوما وقيل كانت شهرا . السير إلى كرمان أما « لطف علي خان زند » فذهب إلى مدينة « قاين » وأقام فيها إقامة مؤقتة . ( 3 ) وفي إقامته هذه في « قاين » بدأت المقدمات التي أودت به بعد ذلك . ففيها تقرر مصيره المشئوم حين عزم على الذهاب إلى « كرمان » . فقد عرض عليه ، وهو في « قاين » ، أحد أمراء « سيستان » واسمه « جهانجير خان » أن يكون عونا له وأن ينجده بألف فارس . واقترح عليه أن يجعل من ولاية « كرمان » مقرا لحكمه ، ومنها ينطلق إلى احتلال ولاية فارس . فقد كان الكرمانيون يقاسون ظلما شديدا من حاكمهم « مرتضى قلي خان » المنصوب على ولايتهم من قبل « آقا محمد خان » ومثله معاونه « محمد إبراهيم آقا قاجار » قائد الحامية . وكان « لطف علي خان زند » محبوبا في « كرمان » ، إذ كان عادلا ذا مروءة وشهامة محبا للإصلاح والعمران . والكرمانيون يعرفون فيه هذه الصفات ، ويتمنون أن يكون حكمهم في يده . ولكن الكرمانيين ، من جهة أخرى ، كانوا معروفين في إيران

--> ( 1 ) ذكر « مهدي بامداد » في كتابه « شرح حال رجال إيران » في ترجمة « لطف علي خان زند » أن حاكم « يزد » انكسر في هذه المعركة وفر من وجه « لطف علي خان زند » ودخل « يزد » فتحصن فيها . عندئذ غادرها « لطف علي خان زند » قاصدا إلى شيراز . ( 2 ) ذكر « جان غوره » الفرنسي في كتابه « الخصي المتوج » أن « آقا محمد خان قاجار » بعد أن سير هذين الجيشين تلقى من العراق من أهالي مدينة كربلاء رسالة ينبئونه فيها بان قبة مقام الحسين ( ع ) قد أصابها تصدع ويستنجدون لاصلاحها . فبادر فورا إلى إرسال بعثة من أهل الاختصاص لترميم القبة وتذهيبها ، وخصص لذلك مبلغ مائة ألف تومان . وقامت البعثة بمهمتها فرممت القبة وذهبتها . ( 3 ) قال « جان غوره » الفرنسي في كتابه « الخصي المتوج » : « بعد وصول لطف علي خان زند إلى قاين ببضعة أيام حضر إليها من الهند رجل مشهور اسمه السيد علي بن مير رضي الدين الأسدآبادي . وقال إن غايته من الحضور إلى إيران هي أن يعود إلى مسقط رأسه أسدآباد همذان . وتوافد أعيان فأين إلى زيارته نظرا لمكانته . وأحب لطف علي خان زند التعرف عليه فزاره أيضا . وقد ارتاح الأمير الزندي إليه وأنس به وأحله ضيفا عليه في بيته . ثم سافر السيد علي مير رضي الدين إلى مشهد لزيارة الإمام الرضا ( ع ) ثم المضي من هناك إلى مسقط رأسه في أسدآباد همذان . والسيد علي مير رضي الدين هذا كان له ولد اسمه السيد صفدر والسيد صفدر هو والد السيد جمال الدين الأسدآبادي المعروف بالأفغاني فالسيد علي مير رضي الدين ضيف لطف علي خان زند هو جد السيد جمال الدين الأفغاني . ولا شك في أنه ولد في أسدآباد همذان ، وقبور أجداده لا تزال قائمة فيها إلى اليوم . وقد تتلمذ مدة على أبيه في أسدآباد . ثم ذهب مع أبيه السيد صفدر إلى قزوين سنة 1264 ه‍ ، وهو في العاشرة من عمره . فأقام في قزوين سنتين ذهب بعدهما مع والده إلى طهران وهو في الثانية عشرة ، وحلا في منزل « سليمان خان صاحب اختيار » . وكان وهو في طهران يعتمر « الكلاه » . وقد عممه بيده أحد علماء طهران اسمه آقا السيد صادق ، إذ رأى فيه من مخايل الذكاء وحسن الاستعداد ما أعجبه . وقال له أنت أهل لأن تتخذ سيما العلماء . بعد ذلك ذهب به أبوه إلى النجف حيث كان يحضر درس الشيخ مرتضى الأنصاري . يقول حسن [ الأمير ] الأمين : خلال زيارتي لقزوين سنة 1991 زرت المدرسة التي كان السيد جمال الدين يقيم فيها ويدرس ، وهي معروفة مشهورة في قزوين .